ابن قيم الجوزية
358
الروح
أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل ، إثبات الصفات ونفي مشابهة المخلوقات فمن شبه اللّه بخلقه فقد كفر ، ومن جحد حقائق ما وصف اللّه به نفسه فقد كفر ؛ ومن أثبت له حقائق الأسماء والصفات ونفى عنه مشابهة المخلوقات فقد هدى إلى صراط مستقيم . فصل [ الفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب ] والفرق بين تجريد التوحيد وبين هضم أرباب المراتب : أن تجريد التوحيد أن لا يعطي المخلوق شيئا من حق الخالق وخصائصه فلا يعبد ولا يصلي له ولا يسجد ولا يحلف باسمه ولا ينذر له ولا يتوكل عليه ولا يؤله ولا يقسم به على اللّه ولا يعبد ليقرب إلى اللّه زلفى ولا يساوي برب العالمين في قول القائل ما شاء اللّه وشئت وهذا منك ومن اللّه وأنا باللّه وبك وأنا متوكل على اللّه عليك واللّه لي في السماء وأنت في الأرض وهذا من صدقاتك وصدقات اللّه وأنا تائب إلى اللّه وإليك ، وأنا في حسب اللّه وحسبك فيسجد للمخلوق كما يسجد المشركون لشيوخهم ، ويحلق رأسه له ، ويحلف باسمه ، وينذر له ، ويسجد لقبره بعد موته ، ويستغيث به في حوائجه ومهماته ويرضيه بسخط اللّه ولا يسخطه في رضا اللّه ويتقرب إليه أعظم مما يتقرب إلى اللّه ويحبه ويخافه ويرجوه أكثر مما يحب اللّه ويخافه ويرجوه أو يساويه فإذا هضم المخلوق خصائص الربوبية وأنزله منزلة العبد المحض الذي لا يملك لنفسه فضلا عن غيره ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشور ألم يكن هذا تنقصا له ولا حطا من مرتبته ولو رغم المشركون وقد صح عن سيد ولد آدم صلوات اللّه وسلامه عليه أنه قال : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد اللّه ورسوله » « 1 » . وقال : أيها الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي ، وقال : لا تتخذوا قبري عيدا ، وقال : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، وقال : لا تقولوا ما شاء اللّه وشاء محمد وقال له رجل ما شاء وشئت فقال : أجعلت للّه ندا ؟ وقال له رجل أذنب : اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد ، فقال : عرف الحق لأهله ، وقد قال
--> ( 1 ) أخرجه البخاري والإمام أحمد والدارمي .